محمد بن أبي بكر الرازي

196

حدائق الحقائق

وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم خبرا عن اللّه تعالى : « من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما يعطى السائلون » « 1 » . وقال قوم : يجب أن يكون العبد صاحب دعاء « 2 » بلسانه ، صاحب رضى بقلبه ليجمع بين الأمرين . قال الإمام القشيري « 3 » : والأولى أن يقال : إن الأوقات مختلفة . ففي بعضها الدعاء أفضل . وفي بعضها السكوت أفضل . والفاصل بينهم الإشارة ، فمتى وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فهو وقته ، ومتى وجد في قلبه إشارة إلى السكوت فهو وقته . ويجوز أن يكون الفاصل بينهما ما يجده من البسط في قلبه ، فإن وجد الدعاء يوجب البسط دعا . وإن وجد ما يوجب القبض سكت ، فإن لم يجد ذلك ولا هذا « 4 » كانا سواء فيتخير إن كان العلم والمعرفة في ذلك الوقت سواء عنده ، وإن غلب عليه العلم ترجح الدعاء ، وإن غلبت المعرفة ترجح السكوت والسكون . قال أيضا : ويجوز أن يقال : ما كان للعباد فيه نصيب ، أو للّه فيه حق ، فالدعاء به أولى ، وما كان فيه حظ الداعي « 5 » فالسكوت عنه أولى . وفي الخبر : « إن العبد يدعو اللّه تعالى وهو يحبه فيقول : يا جبريل أخّر حاجة عبدي ، فإني أحب أن أسمع صوته ، وإن العبد يدعو اللّه تعالى وهو يبغضه فيقول : يا جبريل اقض حاجة عبدي ، فإني أكره أن أسمع صوته « 6 » .

--> ( 1 ) حديث ( من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته . . . ) . رواه البخاري في التاريخ ، والبزار في مسنده ، والبيهقي في الشعب من حديث عمر بن الخطاب ، وذكره ابن حبان في الضعفاء ، وفي الثقات أيضا . انظر المغنى عن حمل الأسفار 1 / 296 . ( 2 ) في ( ج ) : ( دعا داعيا ) . ( 3 ) تقدمت ترجمته . ( 4 ) في ( ج ) : ( وهذا ) . ( 5 ) في ( ج ) : ( حظ النفس ) . ( 6 ) حديث : وفي الخبر : يا جبريل : أخّر حاجة عبدي ، فإني أحب أن أسمع صوته . انظر الحديث رقم ( 74 ) ، ( 75 ) ، ( 76 ) ، ( 77 ) ، ( 78 ) من كتاب الأحاديث القدسية ، باب محبة اللّه تعالى للعبد ، ص 78 ، 89 .